مباراة في كرة القدم جمعت فريق الفيلة وفريق النمل، إنتهت بفوز فريق النمل، وفي المؤتمر الصحفي الذي أعقب المباراة علل مدرب فريق الفيلة أسباب الهزيمة بالخشونة التي لعب بها الفريق الخصم، حالنا كحال مدرب الفيلة عادة ما نبحث عن اسباب واهية لتبرير عجزنا وفشلنا، وليتنا نتوقف عند ذلك بل نمضي في كيل التهم على عواهنها للقاصي والداني في محاولة لنقل الكرة بعيداً عنا حتى وإن جاوزت أسوار الملعب، والتهم التي نستخدمها من العيار الثقيل تصم الآذان وتفقد البصر، وطالما الكلام "ببلاش" فكل شيء مباح، وحرية الرأي لدينا سداح مداح، قبل أيام بثت هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي" في برنامجها الوثائقي "بانوراما" لقاءاً مع السيدة أنجيلا مديرة هيئة الإخصاب، قالت أنجيلا في معرض حديثها أن الطبيب المصري "محمد الترانيسي"، المختص في التلقيح الصناعي الذائع الصيت في بريطانيا، يقوم بإجراء فحوصات طبية وإجراءات باهظة التكاليف على مرضاه، وأضافت بأنه شخص غير مسؤول في مجال عمله، لم تقل أكثر من ذلك، إلا أن الطبيب المصري وجد في كلامها من القذف والتشهير ما يتوجب التوجه للقضاء، فالتشكيك في الفحوصات لم تستند على دليل مادي، والتهمة "الخطيرة" التي قيلت في البرنامج أنه شخص غير مسؤول وإن تم تحديدها وتخصيصها في مجال عمله، وأثناء تداول القضية في أروقة القضاء البريطاني عكفت هيئة الإذاعة البريطانية على إسترضاء الطبيب المصري، ولم تجد حرجاً في دفع مليون جنيه إسترليني للطبيب المصري على سبيل التعويض والترضية لوقف إجراءات التقاضي ضد الهيئة.
التراشق الإعلامي في الساحة الفلسطينية سمم أجوائنا وأدخلنا في فلك الإتهام والإتهام المضاد، وفي كثير من الأحيان إتفقنا على وقف أو حتى تجميد الحملات الإعلامية لإتاحة الفرصة لإلتقاط الأنفاس في الجو المشبع بالتخوين والتشهير، وفي كل مرة لم تصمد الهدنة الإعلامية سوى ساعات قليلة، وتعود "ريما لعادتها القديمة"، ولا يوجد في مفرداتها ما هو محرم حتى وإن كان من فئة الأسلحة الكيمائية، القضية لا تتعلق بوقف أو تجميد أو هدنة أو تهدئة إعلامية يتم الإتفاق عليها ليلاً لتذيبها شمس النهار، بل الأمر يتعلق بحرية الرأي التي يضبطها القانون، القانون الإلهي الرافض لجمع الإنسان بين الإسلام والكذب، والقانون الوضعي الذي يعاقب على زلة اللسان، وبالتالي المطلوب أن نعيد الحياة للقانون الذي مرغنا أنفه في التراب، فمن حق المرء أن يشطح كيفما شاء طالما إمتلك البراهين والأدلة المادية عما ذهب إليه، ومن حقه أن يضع ما بين يديه من بينات في أروقة القضاء ليتم ترجمتها إلى إجراءات وعقوبات، وبخلاف ذلك لا يحق له البتة التطبيل والتزمير في مأتم الأخلاق.
فطالما الكلام ببلاش فلن تضبط ألسنتنا، وعلى إعتبار أن "الفاضي يعمل قاضي"، فقد تحولنا إلى قضاة نوزع أحكامنا كيفما نشاء، ولسنا بحاجة إلى سماع البينات طالما إعتمدنا في حكمنا على معلومات مصدر موثوق، حتى وإن كان المصدر لقيط، وإن تخلينا عن دور القاضي إحترفنا الثرثرة في الشأن الخاص والعام، وأكثر ما يستهوينا من تراثنا حكاية على بابا والأربعين حرامي من قصة ألف ليلة وليلة، وعلى بابا حطاب بسيط يعرف بالصدفة كلمة السر "إفتح ياسمسم" التي تمكنه من فتح باب المغارة وسرقة كنوز اللصوص منها، وعند معرفة اللصوص بما فعله على بابا بوشاية من جاره، قرروا قتله وأرسلوا منهم من يحدد بيت على بابا بعلامة، وعند معرفة مرجانة "زوجة على بابا" بخطة اللصوص، قامت بوضع العلامة على منزل جارهم الواشي بهم فلقي حتفه.